محمد غازي عرابي

1042

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

رآه قال إنه أسود وهذا ما أكده كانط قائلا : إن شأن الإنسان كمن يضع على عينه نظارة ملونة ، كيفما كان لونها رأى العالم بذلك اللون . [ سورة القمر ( 54 ) : آية 6 ] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ( 6 ) [ القمر : 6 ] الكشف كشفان ، كشف يؤدي إلى النور ، وكشف لا يزيد الظالمين إلا ظلاما ، والكافرون يرون الحقيقة يوم الحساب في كل ساعة ، بل في كل خطرة من خواطر نفوسهم ، ولكنهم يعرضون عنها مستنكرين ورافضين القول إن الفكر من اللّه لا من الإنسان ، ومن فكر في فكره ، ويسره اللّه لليسرى ، انشق قمر قلبه فرأى كيف يكون الفكر للّه . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 7 إلى 10 ] خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 ) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) [ القمر : 7 ، 10 ] الأجداث إشارة إلى الأبدان ما دام البدن سجن الروح ، والخروج انكشاف الحقيقة كما بيّنا ، وثمت لطيفة بين الخروج من أجداث الأبدان وبين التشبيه بالجراد المنتشر ، إذ الجراد كثرة ، وكثرتها وحدة ، فلا تميز جرادة من أخرى ، فهذه الأبدان جدث كبير هو بدن كبير كلي ضم الروح الكلي ، وما بقي للإنسان إلا ذبالة من وعي حسي هو انعكاس فعل الروح في الدماغ وتأثيره فيه ، فيكون الوعي لا حسيا خالصا ولا روحيا خالصا ، بل هو برزخ ومعبر ، كما شبهنا ذلك ببوق يستقبل النفخ ويصدر الصوت ، وهذه العدمية التي تهدد الإنسان ، بل هي حقيقته ، لا خلاص له منها إلا بالفرار إلى اللّه والفناء فيه ، أو كما يقال الإنسان لن يجد له مأوى ولا يجد راحة ولا سكينة ، وهو كلما حقق غاية تبدت له غايات ، وكلما بلغ أفقا طالعته آفاق . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 11 إلى 17 ] فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) [ القمر : 11 ، 17 ] وصف حقيقة الوجود العياني كما هو . وفي الكشف فقط تفتح أبواب السماء بماء منهمر هو ماء العلوم اللدنية ، وتلتقي عيونا في الأرض هي ماء العلوم الإنسانية التي يتمخض عنها الفكر والنظر والتجربة والمعاينة ، فإذا التقى الماءان فلا ماء إلا الماء الإلهي ، فهو سبحانه كان علمه مطويا فنشره في هذه العلوم ، والناجي هو نوح الذي كتبت له النجاة من ماء الهيولى الحسية ، فنجا من الطوفان ومن الغرق ، وذلك بركوبه فلك المعقولات الإلهية التي عامت في بحر